سفر الزوج للعمل
العمل من البيت

سفر الزوج للعمل هرباً من المسؤولية

“أوصلت زوجي للباب لأودعه، بعد أن غاب عامين كاملين دون أن يزورنا، و كنت موقنة أنني لن أراه قريباً كما السابق، ربما سيأتي مجدداً بعد خمسة أعوام، و ربما لن يعود أبداً” ! فهل سينضم إلى قائمة ” سفر الزوج للعمل هربا من المسؤولية؟ “

“كنت على علم بوضع وليد الماديّ منذ أن تقدّم لخطبتي، و لم تكن لديّ أي مشكلة في ذلك، و كانت حياتنا سعيدة بعد أن تزوجنا على الرغم من إمكانياته المحدودة، و لكن بعد أن رزقنا الله بمولودنا الثالث، قرر وليد أن يسافر للعل من أجل تحسين وضعنا المادّي، و من أجل توفير حياة أفضل لأطفالنا، و لكنني لم أكن أعلم بأن سفره سيلقي عليّ بكامل العبء و المسؤوليّات”.

اشتكت ياسمين

تذمّر وليد وضعهم الماديّ الصعب، على الرغم من رضاها بما قسمه الله لهم،

و لكنه كان دائم الشكوى، خصوصاً بعد إنجاب ياسمين مولودها الثالث،

إذ قرر أن يبحث عن عمل خارج البلاد، مقنعاً إياها بضرورة الأمر و فائدته،

و كم ستسهُل حياتهم بمجرد أن يتوفر لديهم المال،

فتقول: “حصل وليد على فرصة للعمل في كندا، براتب ممتاز، و لا أنكر فرحتي بذلك، لاعتقادي بأنني سأذهب أنا و أطفالي للعيش معه بعد مدّة”.

طلبت ياسمين

من وليد بعد سفره بعام ونصف أن يجهز ما يلزم من أوراق لتسافر عنده هي و أطفالها،

و لكنه رفض ذلك تماماً بحجة أنه لا يرغب لهم بأن يعيشوا في مجتمع غربي، و أنه يحبذ أن يتربى أبناؤه على العادات و التقاليد العربية، كما أنه يخشى أن يفقدوا لغتهم العربية،

و لكنه لم يضع في عين الإعتبار ما تعانيه ياسمين من ضغوطات لكونها الأب و الأم في نفس الوقت،

و أن حاجتها هي و أطفالها لوليد ليكون بجانبهم و ليساعدها في التربية أهم بكثير من حاجتهم للمال، كما أن بإمكانه البحث عن وظيفة محليّة براتب جيّد ولكنه كما قالت “جبان و أناني”، لأنه يتهرّب من مسؤولياته الأسرية لا أكثر.

سفر الزوج للعمل ومسؤولية تربية الأبناء

لا يدرك وليد أن غيابه يسبب ضعفاً في شخصية الأبناء، و ذلك لغياب معلّمهم الأول و صاحب السلطة و الهيبة، و مصدر أمانهم الحقيقي، كما أن له تأثيراً على طريقة تعاملهم مع الغير،

فتجدهم متردّدين دوماً، و يشعرون بالخوف و عدم الثقة بالنفس، كما أن ردود أفعالهم أنثوية أكثر من الفئة التي تربّت بحضور الأب و الأم معاً. فمهما كانت شخصية الأم قوية، ستعجز عن تجسيد السلطة و القوة في كل المواقف و الأوقات، مما سيخلق إضطرابات سلوكية لدى أبنائها،

أهمها العنف، العصبية، و ضعف الشخصية، و هذا ما اشتكت منه ياسمين عندما أتم ابنها الأكبر الثامنة من عمره.

مضت تسع سنوات على سفر وليد، حيث أن تواصله قلّ بكثير عن السابق فقد كان تواصله شبه يومي،

و يزورهم أربع مرّات في السنة، و لكن مع الوقت، قلّت مكالماته و زياراته لهم أيضاً،

تحت أعذار ضغوطات العمل، إلى أن باتت مكالمته تنقطع لشهرين أو أكثر، و زياراته تنقطع لسنوات.

يذكر الأستاذ الدكتور محمد زياد حمدان في مقالته حول (غياب الأب و أثره في تطور شخصية الطفل) ،

صفات الأم و التي بإمكانها تعويض أبنائها غياب والدهم،

فيقول: “كما أن وجود الأم المتبصرة الواعية – القادرة على تسخير كل الطاقات لتربية أطفالها إيجابياً،

والتي تأخذ على عاتقها مسؤوليات الأب والأم معاً بقليل من التعارض أو التناقض،

والماهرة في مجالات التعامل الإنساني والإجتماعي،

الأم التي تملك ميولاً إيجابياً نحو غياب الأب بخاصة، والرجال بوجه عام، والتي تشجع باستمرار السلوك والصفات الرجولية في أطفالها – مثل هذه الأم هي قادرة حقاً على تعويض أطفالها غياب والدهم، وتزويدهم بسبل التكيّف الغنيّة والنمو الكامل لشخصياتهم بدونه إن اقتضى الأمر”.

فالمشكلة

تكمن في أن النساء لسن متشابهات في القدرة، حيث تجد أغلبهنّ أن التربية أحادية الجانب أمراً مستحيلاً،

و هذا ما تعانيه ياسمين كغيرها من غالبية الأمهات،

تقول: “أعرف أن عليّ أن أكون قوية دوماً، و لكنني لا أستطيع ذلك، مرّت علي أيام انهرت بها تماماً بسبب العبء الثقيل و المسؤوليات اللامتناهية، فأنا بالنهاية إنسان يتعب و يتألم، و لكنني كنت أسند نفسي بنفسي، على الرغم من حاجتي و بشدة إلى من يسندني، و ما يؤلمني كثيراً هو حاجة أطفالي إلى عاطفة أمهم، و التي نادراً ما يجدونها، لأنني أكون منشغلة في تمثيل دور الرجل صاحب السلطة معظم الأوقات”. ويبقى السؤال هل سفر الزوج للعمل هو هروباً من المسؤولية؟.

“عندما أصبح عمر ابني الأكبر ١٠ سنوات، كانت علامات تحمل المسؤولية ظاهرة عليه تماماً،

إذ كان يلعب دور الأب من حيث عنايته بإخوته و توجيههم، و كم كنت سعيدة بذلك،

إذ إنني حاولت جاهدة أن أُنمّي هذا الحس لديه وهو في عمر الخامسة، ليكون مسؤولاً دون أي تسلّط أو تجبّر منه على إخوته، و أن يكون بمثابة الأب لهم، فهذا الأمر قلل كثيراً من العبء المترتّب عليّ، و سيجعل منه في المستقبل رجلاً صلباً و حكيماً قادراً على مواجهة الظروف، كما سيتأثر إخوته به ليسيروا على خطاه، و هذا ما أريده فعلاً، فأنا لا أعلم ما إذا كان وليد سيعود يوماً!”.

اقرأي هذا المقال ايضا

زوجي يستغلني

اترك تعليقاً